
الحمدُ لله القائلِ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾1، ربِّ العالمين، الذي زيّن سماءَ المعرفة بأقمار العلماء، وحلّى جِيدَ الأيام بجواهر الأدباء، وبعد:
ما كانت المعرفةُ يوماً حِلْيةً تُلبَس، ولا وجاهةً تُكتسب؛ بل بصيرةٌ تسمو بها النفوس، وفضيلةٌ تشهد لها النصوص؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾2.
وممّن تجسّد فيه هذا المعنى من رجالات الأحساء: والدي أبو عبدالمجيد، الشيخُ الأديب والمؤرّخ الأريب خالد بن جابر الغريب -أطال الله بقاءه-3؛ الذي لم يقنع بأن يكون قارئاً فصار مقروءاً، ولا متلقّياً فغدا معطياً.
وُلد -يحفظه الله- بحيّ الكوت القديم بالهفوف، في ٧ ذي الحجة ١٣٦٧هـ، الموافق ١٠ أكتوبر ١٩٤٨م، ونشأ في كنف والده الشيخ جابر، فقرأ عليه القرآنَ الكريم، وطلب العلم على يده، وأخذ يتوسع من الأدب العربي إلى القراءة الحرة؛ حتى تجاوزت عنايتُه بالكتاب اقتناءَه إلى ملازمته؛ فضمّت مكتبتاه المنزليتان ما يزيد على عشرين ألف كتاب، توزعت بين العقيدة والتاريخ والأدب وسائر العلوم، فأضحت خزانةً للمعرفة، وذخيرةً للباحث، وإرثاً علميّاً جديراً بأن يحفظ في ذاكرة الوطن.
ثم أفاض ممّا حصّل، فنشط في الدعوة إلى الله، وألقى المحاضرات الإسلامية، وكتب المقالات العلمية والأدبية، وتوّج عطاءه بالتأليف؛ فمن مؤلفاته المطبوعة:
- «منطقة الأحساء عبر أطوار التاريخ»؛ وهو من المصنفات التي استوعبت وجوهاً متعددة من تاريخ الأحساء ومعالمها وآثارها وحياتها الاجتماعية والثقافية، فجمع فيه بين الرواية والتوثيق، وفاءً لوطنه.
- «فخر الكاتب من خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه»، انتخب فيه من خطب الإمام علي ورتّبها على نسقٍ بديع.
- «المغريات العشر وضررها على الفرد والمجتمع»، عالج فيه جملةً من الآفات الاجتماعية في ضوء الشريعة، داعياً إلى الفضيلة ومكارم الأخلاق.
وله من المصنفات المخطوطة:
- «موسوعة شعراء الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم».
- «مناجاة الحبيب في الغزل والنسيب».
- «الدليل السياحي لمنطقة الأحساء».
- «أضواء على دول مجلس التعاون الخليجي».
- «الذخائر في الألغاز والنوادر».
- «فواجع الدهر ونكبات العصر».
وامتداداً لبيتٍ توارث العلمَ وإمامةَ المساجد من الدرعية إلى الأحساء، خلفَ والدَه إماماً لأحد مساجد الهفوف، ولا يزال قائماً على إمامة المصلين منذ تعيينه في ١ رمضان ١٤٠٢هـ، الموافق ٢٢ يونيو ١٩٨٢م؛ فبلغ مجموعُ ما أمضاه هو ووالدُه الشيخ جابر في إمامة هذا المسجد أكثرَ من مئةٍ وخمسةِ أعوامٍ هجريةٍ، فقرن بين محراب الإمامة ومحبرة التأليف، ليقيم للروح غذاءً، وللعقل نماءً.
ولم يقتصر جهده العلمي على ما صنف وألف؛ فقد تناول سيرته ونتاجه عددٌ من أهل العلم والأدب والتاريخ؛ منهم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام، الذي ترجم له في «علماء نجد خلال ثمانية قرون»، والأديب الباحث أبو بكر الشمري، الذي وصفه في «الملحق المفيد في تراجم أعلام الخليج» بأنه من أدباء الأحساء الذين يثرون المكتبة الخليجية والعربية بمؤلفاتهم، والمؤرّخ الدكتور عبد الكريم الحقيل، الذي عدّه في «مشاهير الجزيرة العربية» ضمن مؤرخيها، والأديب عبد الله بن أحمد الشباط، الذي ترجم له في «الأحساء أدبها وأدباؤها المعاصرون».
ورزقه الله عشرةً من الأبناء: خمسةً من البنين وخمساً من البنات؛ فمنهم من حمل لواء البحث والتاريخ واشتغل بالتأليف، ومنهم من نظم الشعر وطرق أبواب الأدب، ومنهم من اتخذ القراءة زاداً والمعرفة سبيلاً؛ فلا يكاد بيتٌ من بيوتهم يخلو من مكتبة، ولا مجلسٌ من كتابٍ أو مدارسة.
فجزاه الله عنّا وعن العلم وحملتِه خير الجزاء، وأمدّ في عمره على طاعته، ومتّعه بالصحة والعافية.4
- سورة الإسراء، الآية ٢٣. ↩︎
- سورة الزمر، الآية ٩. ↩︎
- اسم الشهرة: الأديب الشيخ خالد الغريب. ↩︎
- مادة هذه الترجمة مستخلصةٌ من كتابي «الشمس المشرقة: بيانٌ لأهل السنوات اللاحقة بتاريخ العلّامة الشيخ محمد بن علي بن غريب وأبنائه وأحفاده وقراباتهم»، تأليف عبدالمجيد الغريب، مخطوط، رقم الفسح ٣٥٦٣٢٣، وتاريخه ٢٩/٦/١٤٣٨هـ. ↩︎
