ليست السطوة والإمعان في الظلم والتجبر دليلاً على قوة كما يتوهم الظالم؛ فالقويُّ لا يحتاج أن يثبت قوته بالاستقواء بالباطل، بل بالحقِّ الذي هو لِلمؤمنِ حصَانة، وللعاقبةِ مكَانة. وقد قال الله تعالى: {إنَّ الباطلَ كانَ زهوقاً}، أي سريع الزوال لا يثبت عند ظهور الحق؛ فمهما انتفخ الظالمُ بباطله أو عاد بكَرَّةٍ بعد فرّة، يظل كياناً أجوف يفتقر إلى روح البقاء.
وفي مقابلِ زهوق المتجبرين بباطلهم، خلودُ العظماءِ بمآثرهم؛ ولنا في الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي —رحمه الله— مثالاً خالداً، فما زاده التمكن من خصومه إلا ترفعاً، ولا الاقتدار عليهم إلا تورعاً؛ إذ استعلى بخلقه فوق نوازع التشفي، وسما بفروسيته عن دناءة التعدي، وفي شهادة الأعداء، أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء أن ملوك الفرنجة كانوا يهابون عدله ويحترمون كلمته، وصدق فيه قول القائل:
وشمائلٍ شهد العدوُّ بفضلِها
… والفضلُ ما شهدت به الأعداءُ.
وخلافاً لرسوخِ الحق، يتمثلُ الباطلُ في نماذجَ اتخذت من الرياسةِ دِثاراً لغدرِ الوعود، ومن الزعامةِ ستاراً لنقضِ العهود؛ مستبيحةً مواثيقَ الفطرةِ وغاياتِ الاستخلاف، ومُجسدةً لِوعيدِ الله في قوله: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
ولما حَقَّت عليهم كلمةُ الخسران، صارَ حالُ مَن ادّعى القوةَ وهو ينقضُ أركانَها بظلمه، كحالِ مَن يملكُ أسبابَ المنعةِ ولا يفقهُ غايتَها، ويحملُ أدواتِ الحُكمِ ولا يدركُ مروءتَها؛ حتى إذا تَفاقَمَ الجَوْرُ واستحكم، وأظلم ليلُ الغدرِ وأعتم، أَذِنَ اللهُ لعروشِ الزيفِ أن تُهدم، ولأنوفِ المتعاظمين أن تُرغَم؛ فإرادةُ الحقِّ في مَحْقِ الباطلِ ماضية، وسُنَّةُ اللهِ في الظالمين قاضية؛ وما السقوطُ حينئذٍ بحدثٍ عابر، بل هو بزوغٌ لفجر جديد وانبلاجٌ لحق مجيد.
وإذ يظن بعض الناس أن استبشار المظلوم بانقطاع دابر ظالمه فرحٌ مذموم، فإن في ملاحم الحق فصلاً، وفي حياضِ شفاءِ الصدورِ سُبُلاً؛ وقد شهدت لذلك وقائعُ صدع فيها الحق فوق هامات الجبروت.

كما كان يوم بدرٍ حين وجد ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه أبا جهلٍ في ساحة المعركة “كالبعير المعقور” الذي يتلظى بنارِ عجزه، ويرى نهاية عهده، وبعد أن تولاه معاذٌ ومعوذٌ ابنا عفراء، انتهى إليه ابنُ مسعودٍ ليستأصل شأفته ويحطم رايته، فوطئ بقدَمِهِ عُنقَهُ؛ وناداهُ على مسمع من وقعِ السيوفِ ومرأى من رَحى الحُتوف: «هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟»؛ فأجابَ نداءَهُ بسؤالٍ وهو يختضبُ في دمِه: «أَخْبِرْنِي لِمَنْ الدَّائِرَةُ اليَوْمَ؟» فرد عليه قائلاً: «لله ورسوله»، فقال أبو جهل: «لَقَدْ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقَى صَعْبًا يَا رُوَيْعِي الْغَنَمِ»، فما كانَ من ابنِ مسعودٍ إلا أنْ أذلَّ كِبرَه، وعرّى صِغره، فاحتزَّ رأسَهُ من الوريدِ إلى الوريد، وأخذه مبشراً إلى رسولِ اللهِ ﷺ، حيثُ قال المصطفى مستوثقاً ثلاثاً: «آللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟»، فأجابهُ ابنُ مسعود: نعم، والله الذي لا إله غيره.
ثم وضعَ رأسَ الطاغيةِ بينَ يدي رسولِ اللهِ ﷺ؛ إيذاناً بنهايةِ الطَّاغُوت، وتأكيداً لزوالِ المَمْقُوت، وقد رُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ سجدَ شكراً وإجلالاً للهِ سبحانه؛ ليكونَ ذلكَ مصداقاً لقولِه تعالى: {ويشفِ صدورَ قومٍ مؤمنين}.
وهكذا فإنَّ صاحبَ الباطلِ لا يرتفعُ إلا ليُردّ، ولا يَتطاول إلا ليُهدّ؛ وعلى الضدِّ من ذلك، «صنائعُ المعروفِ تقي مَصَارعَ السوء»، فشتّانَ بين مَن جرَّ على نَفْسِهِ مواردَ الخُسوء، ومَن جَعَلَ المعروفَ وقايةً له من كلِّ سُوء.
فتأملوا في مسارح الأحداث حولكم؛ تروا كيف يتساقط الظلمةُ تباعاً، فمَن تسربل بخلق صلاح الدين وقوة الحق عزَّ وساد، ومَن تردّى بصنيع أبي جهل وذلة البغي خاب وباد.