جزرٌ منعزلة في وطنٍ يسابق المستقبل

استمع إلى المنشور
0:00/—

جاهزة للتجربة.

لم يكن تأسيس عمر بن الخطاب رضي الله عنه للدواوين1 قبل نحو أربعة عشر قرناً2، مجرّد إجراءٍ إداري، وإنما قراراً محوره حفظ ذاكرة المؤسسة وحوكمتها3؛ إذ أدرك بعبقريته الفذة أهمية تبنيها، وأنّ ضبط البيانات وحفظها لا يقومان على الوسيلة بذاتها، بل على المنهج الذي يحكمهما.

وهو المبدأ الذي ظل حاضراً بصورٍ مختلفة عبر العصور، حيث تعاقبت على البشرية تحولاتٌ أعادت تشكيل وسائل المعرفة وآليات إدارتها. منها ثورة الطباعة التي وسّعت نطاق الإنتاج المعرفي ونشره، مروراً بالثورة الرقمية التي أتاحت معالجة المعلومات واستدعاءها، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الذي يمضي اليوم في إحداث نقلةٍ نوعية عبر مسارٍ لا تزال آفاقه أبعد من أن تُستشرف.

وعلى الرغم من هذه التحولات الكبرى، تَظْهَر بعض المؤسسات ووحداتها التنظيمية كجزرٍ منعزلةٍ عن محيطها المتقدم، في تجلٍّ يُرى في ذاك الموظف المعاصر الذي يقف أمام خزاناتٍ أثقلها الزمن بالمجلدات المهترئة، يفتش في خزانةٍ عن مستندٍ معين وينقّب في أخرى عن مسوّغٍ نظاميّ لا يدري أسارٍ هو أم مُلغى، فإذا أعياه البحث لجأ إلى ذاكرة زملائه، لتزيد اجتهاداتهم من حيرته وعنائه.

وعند النظر بعين المسؤولية القيادية إلى ما تقدّم تصويره، نرى أن المعرفة، ورقيةً كانت أو رقمية، أصل من الأصول المؤسسية4 التي لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تبقى أسيرةَ خبرةِ فردٍ أو نطاقِ وحدةٍ؛ وذلك أن قيمتَها لا تتحقق إلا بما يكفل ضبطها وسهولة استدعائها.

وفي ظل التحول الوطني بأمر سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وقيادة عرّاب الرؤية، سمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، كانت معالجة مثل هذه التحديات المعرفية حاضرة ضمن رؤيتي الاستراتيجية المستمدة من عزمهما وحزمهما.

ففي عام 2023م، حين كنت مديراً لإدارة الشؤون الإدارية والمالية ورئيساً للجنة التغيير في إحدى الجهات الحكومية، صممتُ ونفذتُ ضمن حزمة برامجي التحولية لتحسين تجربة الموظف، مشروعاً مؤسسياً لتقديم الخدمات المعرفية للموظفين بالذكاء الاصطناعي.

وكان منطلقُ هذا الابتكار بناءَه المعرفيّ؛ حيث أسّستُ شجرة معرفة الروبوت من أحكام الأنظمة واللوائح والتعاميم ذات الصلة، وحصرتُ إجاباته فيها لتفادي الهلوسة التي لا تزال النماذج التوليدية العامّة تعاني منها، وطوّعتُ محتواها للمستخدم عبر واجهة دردشةٍ تفاعلية، تمكّنه من خلال النقر على الخيارات من استدعاء المادة المطلوبة كما جاءت في مصدرها الرسمي.

ولمزيدٍ من الموثوقية، ذيّلتُ إجاباته النهائية برابطٍ إلكترونيٍّ يحيل مباشرةً إلى المستند وموقع الجهة المُصدِرة. وفضلاً عن هذه الدقّة المتناهية، غدت المعلومة المُحكمة في متناول الموظف على مدار الساعة، يبلغها أينما كان عبر شاشات أجهزته الذكية في 36 ثانية؛ فالموظف الذي تأتيه البشرى بمولودٍ وهو عائدٌ من صلاة الفجر، لا ينتظر بداية الدوام ليسأل عن إجازته، بل يفتح هاتفه فيجد أمامه نصّ النظام الذي يحكمها. وإلى جانب ذلك، يبقى المحتوى قابلاً للتحديث، والنموذج قابلاً للتوسّع لتمكين الجهات الحكومية التي تجمعها المرجعية النظامية ذاتها من الاستفادة منه.

ولا تنفصل تجربتي عن توجّه الدولة الذي جعل من مكاشفة الواقع مدخلاً إلى إصلاحه؛ ففي مقابلةٍ متلفزة5، استعاد سموّ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان حالَ القيادات الحكومية، قائلاً: «كان عام 2015 صعباً للغاية». وعن الكفاءات: «لديك 80% من الوزراء غير أكفاء ما أعينهم حتى في أصغر شركة بصندوق الاستثمارات العامة»، مشيراً إلى أنّ «الخط الثاني شبه معدوم من نواب أو وكلاء وزراء»، وأنّ «القيادات في الوزارات بنسبة عالية جداً مفقودة». أمّا على مستوى الأداء، فقد أوضح أنّ «أغلب من يعمل لعمل روتيني لتخليص معاملات وإجراءات»، وأنّه «لا يوجد عمل إستراتيجي أو تخطيطي لتحقيق هذه المستهدفات أو أهداف للمستقبل»، مرجعاً ذلك إلى أنّه «ما هناك فريق أو حوكمة جيدة».

ولم يقف سموّه عند الوصف، بل أعقبه تقييمٌ كاشفٌ لحجم القصور؛ فقد أظهر تصنيفُ أهمّ 20 قيادياً في كلّ وزارة أنّ 90% منهم في النطاقين الأحمر والأصفر. وفي ضوء هذه النتائج، بيّن منهج المعالجة، فقال: «قبل أن تحقق أي شيء تحتاج أن تبني الفريق تحتاج أن تبني المكينة»، موضحاً أنّها «التي تساعدك إلى إنجاز هذه الفرص وهذه التطلعات التي نطمح لها كلنا كسعوديين».6

وفي سياقٍ متّصلٍ بحديث سموّه، وصف الوزيرُ المستقطَب لتولّي وزارة المالية، معالي محمد الجدعان، في لقائه ببودكاست «سقراط»، المنظومةَ المالية عند تسلّمه مهامه بأنّها كانت ورقيةً بنسبة 100%، إلى حدٍّ كشفت معه جولته الأولى في مقرّ الوزارة أنّ الممرّات على امتدادها مكتظّةٌ بصناديق حديدٍ كبيرة، ذكّرته، كما قال، بأيام جدّته، وقد تبيّن له عند السؤال عنها أنّها لحفظ المعاملات. وفي ظلّ هذا الواقع الورقي، يقول معاليه إنّ جمعَ معلوماتٍ بسيطةٍ لإعداد إحصاءات قد يستغرق سنة؛ فكان التحدّي، بتعبيره، أنّه «ما عندك معلومة كافية تتخذ بناء عليها قرار».

أمّا في يومه الثاني، فبينما كان يغادر المبنى متوجّهاً إلى مركبته، انتبه لموظفَين من مكتبه يتبعانه، يحمل كلٌّ منهما حقيبتَي «سامسونايت» مثقلتين بالأوراق، فلمّا سأل عن محتواها قيل له إنّها معاملاتٌ جرت الممارسة على أن يأخذها الوزير السابق ومن قبله إلى منازلهم؛ فاستنكر أن يكون إنجاز العمل رهناً بحمل تلك الحقائب إلى البيت، أو اصطحابها في أسفاره إلى اجتماعات مجموعة العشرين، قائلاً: «ما ينفع كذا يا إخوان». ثم طالب بنظامٍ آلي، معللاً: «أبغى أخلص معاملاتي وين ما كنت أبغى تكون قدامي». وعن حصيلة التحوّل الإلكتروني قال: «الآن ما أوقع ورق ولا أشوف ورق ولا على مكتبي ورق، وأشتغل أينما كنت».

وعلى المستوى القيادي، جعل بناء الفريق أولى خطوات الإصلاح المؤسسي، فقال: «إذا الله وفقك في فريق عمل متميز، 90% من المشكلة انتهت»؛ فاستقطب كفاءاتٍ تجمع ما اشترطه من قدرةٍ وحماسٍ وشغف، حتى تجدّد معظم الصفّ الأول خلال عام.7.

وهذه الشواهد، وما بلغته المملكة من تقدم في تنظيم المعرفة ورقمنتها وإتاحتها، تجعل مسؤولية قيادات المؤسسات أكثر وضوحاً؛ فالمشكلة ليست في الموظف ولا في قلة الإمكانات، وإنما في قيادة مؤسسية تقليدية ارتضت استمرار واقع يناقض مقتضيات التحول الوطني، الذي لا يكتفي بمدير يُدير العمل كما وجده، بل يتطلب قائد تغيير يدفع المؤسسة إلى تجاوز ممارساتها الموروثة.

ومن هذه المسؤولية ينبع اعتزازي بأنّي أعيش هذه الحقبة من تاريخ بلادي، شاهداً على تحوّلها، ومُسهماً في بنائها، ومتطلّعاً إلى ما بعد عام 2030؛ من غير مفاضلةٍ بينها وبين ما سبقها من حِقَب؛ فلكلّ زمنٍ رجالُه ومنجزاتُه، ولكلّ جيلٍ لَبِنةٌ يضعها في صرحٍ يتوارثه الخلفُ عن السلف. ومنذ دواوين عمر الفاروق رضي الله عنه إلى يومنا هذا، تتبدّل الوسائل، ويبقى المنهج هو الفارق.

  1. جاء في (الأحكام السلطانية) للماوردي أقوال في السبب الّذي حمل عمر على ذلك، منها: أن أبا هريرة قدم إليه بمال من البحرين فقال عمر: ماذا جئت به؟ قال: خمسمائة ألف درهم، فاستكثره عمر، وقال أتدري ما تقول؟ فقال: نعم مائة ألف خمس مرات، فصعد عمر المنبر، وحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلناه لكم كيلا، وإن شئتم عددناه لكم عدا، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدونون لهم ديوانا، فدون أنت ديوانا، فاستشار عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه الناس في تدوين الديوان، فقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس، وإن لم يحصوا، حتى يعلم من أخذ ممن لم يأخذ خشية أن ينتشر الأمر. نقلاً عن تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد المقريزي، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، تحقيق وتعليق: محمد عبد الحميد النميسي، المجلد التاسع، صفحة 341. ↩︎
  2. جاء في (الكامل في التاريخ) لابن الأثير: وفي سنة (١٥) من الهجرة فرض عمر الفروض ودوّن الدواوين، وأعطى العطايا. نقلاً عن تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد المقريزي، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، تحقيق وتعليق: محمد عبد الحميد النميسي، المجلد التاسع، صفحة 341. ↩︎
  3. جاء في كتاب (الحوكمة في القطاع العام): «تُعدّ الحوكمة في القطاع العام وسيلة فعالة لتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة وتحقيق التنمية الإدارية وفق آلية تسعى لإشراك أصحاب المصلحة في اتخاذ القرارات ورسم السياسات العامة. إضافة إلى وضع منهجية تهدف إلى الاستخدام الأمثل للموارد وتحقيق الفاعلية والكفاءة في أداء الأجهزة الحكومية. بالمقابل، فإن تحقيق التنمية بكافة أشكالها يتطلب توفير بيئة تنظيمية وإدارية تساعد على تطبيق مبادئ الحوكمة. وعلى الرغم من أهمية تطبيق مبادئ الحوكمة، إلا أن تبني تلك المبادئ ليس هدفاً بحد ذاته وإنما وسيلة مهمة تساعد في تحقيق التنمية المستدامة، وخاصة في ظل تبني سياسة الكفاءة في الإنفاق العام». د. بسام بن عبدالله البسام، الحوكمة في القطاع العام، معهد الإدارة العامة، مركز البحوث، 1438هـ، الغلاف الخلفي. ↩︎
  4. تتنوّع الأصول المؤسسية بين الملموسة وغير الملموسة، ومن أمثلتها: الأصول المالية، والمادية، والرقمية والتقنية، والمعرفية، والبشرية، والتنظيمية. ويُعرَّف «الأصل» بأنه: «عنصر أو شيء أو كيان له قيمة محتملة أو فعلية للمؤسسة»، وفقاً للمنظمة الدولية للتقييس (ISO)، معيار ISO 55000:2024، البند (3.1.1)، صفحة 1. ↩︎
  5. مقابلة سموّ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان مع الإعلامي عبدالله المديفر، القناة السعودية، بمناسبة مرور خمسة أعوام على إطلاق رؤية المملكة 2030، 28 أبريل 2021م. ↩︎
  6. وكالة الأنباء السعودية (واس) ↩︎
  7. لقاء معاليه مع الإعلامي عمر الجريسي في بودكاست «سقراط»، إذاعة ثمانية، حلقة «كواليس القرارات المالية في السعودية مع وزير المالية»، 5 مارس 2024م، مقطع «التحديات في وزارة المالية» (ابتداءً من الدقيقة 25:37). ↩︎

أضف تعليق