هتك الحُجُب

ليستِ المعرفةُ بأدواتِ الشرِّ انحيازاً إليه، ولا ترفاً يلوكُهُ المرءُ بين شدقيه؛ إنها بصيرةٌ يتوقى بها الفطنُ مداخله، وضرورةٌ تكشفُ له حبائلَه. وقد أحسنَ من قال:
عَرَفْتُ الشَّرَّ لَا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ
وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ مِنَ الخَيْرِ يقعْ فِيهِ

ومدارُ هذه المعرفة وهذا التوقي لا يقومان إلا على سبرِ مكنونِ النفوس، واستقراءِ ما يجولُ في الرؤوس؛ تلك التي أحكمت إخفاءَ نواياها، وأضمرت شرّاً في حَشاياها، حتى باتَ الفطنُ لا يُخدعُ بالكلماتِ الحِسان، ولا بمظاهر الإحسان، وإن صدرت من أهلِ الثقة، أُولي المقاماتِ السامقة؛ إذِ المرءُ لا يُؤتَى إلا من مأمنِه، ولا يُطعَنُ إلا في مقتلِه.

وهذا التباينُ المذموم، بين ظاهرٍ معسولٍ وباطنٍ مرذولٍ، هو ما هتك التنزيلُ الحكيمُ حُجُبَه، وفضح زيفَه وكذبَه، حيث قال عزَّ من قائل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}.

وعلى هذا المعنى تتكشفُ المفارقةُ عينُها في قولِ الشاعرِ صالحِ بنِ عبدالقدوس:
يُعْطِيكَ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ حَلَاوَةً
وَيَرُوغُ مِنْكَ كَمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ

يَلْقَاكَ يَحْــلِفُ أَنَّهُ بِكَ وَاثِـقٌ
وَإِذَا تَوَارَى عَنْ سَوَادِك عَقْرَبُ

فما كان خصمُكَ الألدّ، وعدوُّكَ الأشدّ، ليُلقي رداءَ المصانعة، ويخلعَ قناعَ المخادعة، إلا إذا انكشف أمرُه، أو قضى وطرَه.

إنَّ أدواتِ الشرِّ للئامِ مُيَسَّرة، وطرائقُهم فيه مستترة، وليس هذا لرجاحةِ العقول، ولا لعظيمِ الحِيَل، بل لخِسَّةِ النفوس، ووضاعةِ المشارب، فلا تنخدعْ بزخرفِ القولِ والفعلِ غُروراً، فَتَصِيرَ قِصَّتُكَ عِبْرَةً تُرْوَى دُهُوراً.

أضف تعليق